قد يبدو الأمر متناقضًا للوهلة الأولى: بنك يقرضك بفائدة 2%، وفي الوقت نفسه يعرض على المودعين عائدًا بنسبة 5% على ودائعهم. فهل يعني ذلك أن البنك يخسر؟
1. المشهد الذي يثير التساؤل
تخيل أنك دخلت إلى أحد البنوك، فوجدت أنه يمنح بعض القروض بفائدة 2%، وفي الوقت نفسه يعرض على المودعين عائدًا بنسبة 5% على ودائعهم.
سؤال يطرحه كثير من الناس: إذا كان البنك يدفع 4% للمودعين، ثم يقرض الأموال نفسها لعملاء بفائدة 2%، فمن أين يحقق أرباحه؟ وهل يخسر؟
2. الفكرة ببساطة
البنك لا يعمل بمنطق “أخذ ريال من مودع ثم إقراضه مباشرة لعميل آخر”. هو يدير محفظة كبيرة من الأصول والخصوم، ويوازن بين العائد والمخاطر والسيولة وتكلفة الأموال ومتطلبات التنظيم.
لذلك قد يدفع للمودعين عائدًا أعلى من بعض القروض دون أن يخسر، لأن القرض والوديعة غالبًا لا يعتمدان على المصدر نفسه للأموال.
3. لماذا لا يستخدم البنك الودائع المرتفعة لإقراض العملاء بنفس الفائدة؟
لو فعل ذلك فعلًا، فسوف يخسر.
فلو حصل البنك على 100 مليون ريال من ودائع بفائدة 5%، ثم أقرض المبلغ نفسه لعملاء بفائدة 2%، فسيدفع للمودعين 5 ملايين ريال سنويًا، بينما سيحصل من العملاء على 2 مليون ريال فقط، أي أنه سيتكبد خسارة قدرها 3 ملايين ريال سنويًا قبل احتساب المصاريف التشغيلية والمخصصات ومخاطر التعثر.
لهذا لا يمكن لأي بنك أن يستمر بهذا النموذج.
4. لماذا نرى عائدًا أعلى للمودعين من بعض القروض أحيانًا؟
هناك عدة أسباب تفسر ذلك، من أبرزها:
- اختلاف مصادر الأموال: قد تكون الوديعة من مصدر معين بتكلفة أعلى لجذب السيولة أو للمنافسة، بينما يكون القرض ممولًا من مصدر آخر أقل تكلفة.
- اختلاف المدة: قد تكون الوديعة قصيرة الأجل بينما القروض طويلة الأجل، والعكس.
- الهدف الاستراتيجي: قد يدفع البنك عائدًا أعلى لجذب السيولة أو الوفاء بمتطلبات رقابية أو لتمويل التوسعات المستقبلية.
- الدعم أو التسعير التفضيلي: قد تحصل بعض القروض على دعم من جهات حكومية أو تكون ضمن برامج ذات أسعار ميسرة.
- المقارنة الجزئية مضللة: مقارنة رقم واحد من الودائع برقم واحد من القروض لا تعكس الصورة الحقيقية. ما يهم هو المتوسط الكلي للتكلفة والعائد عبر محفظة البنك.
الخلاصة
البنوك لا تخسر عندما تمنح المودعين عائدًا أعلى من بعض القروض، لأن نجاحها لا يعتمد على عملية واحدة، بل على إدارة متكاملة لمصادر الأموال، والاستثمارات، والمخاطر، والسيولة والتكاليف.
في عالم المال، الأرقام لا تتحدث وحدها؛ فالأرقام لا تكتسب معناها إلا عندما نعرف مصدر الأموال، وتكلفتها، ومدتها، ومخاطرها، والهدف من استخدامها.
وهذا هو الفرق بين من يقرأ الأرقام، ومن يفهم ما وراءها.
أفكار أساسية في سطر
- البنك يعمل بمحفظة متكاملة من مصادر التمويل والاستخدامات.
- الربحية تقاس على مستوى المحفظة ككل وليس من منتج واحد.
- إدارة جيدة للسيولة والمخاطر هي ما يصنع الاستدامة.
- الأرقام لا تكفي للحكم، فهم السياق هو الأساس.
في النهاية، نجاح البنك لا يقاس على صفقة واحدة، بل على إدارة متكاملة توازن بين الربحية والسيولة والمخاطر، ضمن إطار من الحوكمة والانضباط المالي.
محمد بن صالح
مهتم بالإدارة والمالية