أعلنت لجنة الإفلاس في السعودية تسجيل 375 شركة دخلت في إجراءات الإفلاس خلال النصف الأول من 2026م. قد يقرأ البعض الرقم مؤشراً اقتصادياً، أو نتيجة لتباطؤ بعض القطاعات؛ لكنه لا يروي قصة الإفلاس، وإنما قصة القرارات التي سبقته بسنوات.
جذور المشكلة وليست النتيجة
- فالإفلاس لا يبدأ عندما تنفد السيولة ولا حين تتوقف الشركة عن سداد التزاماتها، ولا حين تصدر المحكمة حكمها. الإفلاس يبدأ قبل ذلك بسنوات؛ يبدأ عندما تتوقف الشركة عن التعلّم، وحين تصبح قرارات الأمس هي نفسها قرارات اليوم، رغم أن السوق لم يعد هو السوق.
- فالعالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، احتياجات العملاء تتغير، والتقنيات تعيد تشكيل الصناعات، ونماذج الأعمال تتطور باستمرار. والمنافسة لم تعد تأتي فقط ممن تعرفهم، وإنما من شركة ناشئة، أو منصة رقمية، أو نموذج عمل جديد لم يكن موجوداً قبل سنوات قليلة.
في هذا العالم لا يكون السؤال مَن يملك موارد أكثر، وإنما مَن يتعلم أسرع؟
إدارة الأزمة وجودة التفكير
- فالقدرة على التعلّم أصبحت ميزة تنافسية والقدرة على التكيف أصبحت أصلاً اقتصادياً، والقدرة على القرار في وقته شرطاً للبقاء. ولهذا فكثير من الشركات لا تتعثر بسبب نقص الموارد، وإنما بسبب تأخرها في إدراك أن قواعد اللعبة قد تغيرت.
- وتبدأ المشكلة غالباً بهدوء: تراجع بسيط في المبيعات، وانخفاض في الهوامش، وتأخر في تطوير المنتجات، وفقدان بعض العملاء. ثم تُفسّر الإدارة ذلك بأنه ظرف مؤقت، فتُؤجّل القرارات الصعبة، وإعادة الهيكلة، ومراجعة نموذج العمل، وتغيير القيادات. ومع كل تأجيل تقلّ الخيارات وترتفع تكلفة القرار.
- حتى تصبح الأزمة المالية أوضح الأعراض لكنها نادراً ما تكون السبب الحقيقي. فالسيولة في كثير من الأحيان آخر ما ينهار، أما أول ما ينهار فهو جودة التفكير.
- فكل حالة إفلاس هي في جوهرها قصة فريق وإدارة وحوكمة؛ قصة قرارات أُخذت، وقرارات كان ينبغي أن تُتخذ فلم تُتخذ، وقرارات تأخرت حتى فقدت قيمتها. فالشركات لا تتخذ القرارات، وإنما يتخذها أشخاص.
- ولهذا فجودة الفريق من أهم أصول أي مؤسسة، فالفريق المتميز لا يضيف قيمة لأنه يعمل أكثر، وإنما لأنه يرى أبعد، ويقرأ التغيرات مبكراً، ويتحدى الافتراضات القديمة، ويتخذ القرارات الصعبة في وقتها، ويملك الشجاعة للاعتراف بأن ما نجح بالأمس قد لا ينجح غداً.
- فجودة الفريق ليست قضية موارد بشرية فحسب، وإنما قضية استراتيجية تحدد قدرة الشركة على التعلّم والتكيف وخلق القيمة والاستمرار. فهي لا تظهر في الهيكل التنظيمي، والحوكمة لا تُقاس بعدد السياسات، والإدارة لا تُقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بقدرتها على مواجهة الواقع كما هو لا كما تشتهي، وبشجاعتها في مراجعة الافتراضات قبل أن يفرضها السوق.
السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مجلس إدارة ليس هل نحقق أرباحاً اليوم، وإنما هل ما زالت طريقة تفكيرنا تواكب العالم الذي نعمل فيه؟
قراءة المشهد الداخلي والخارجي
- وأخطر ما قد يصيب أي مؤسسة ليس المنافسة ولا ارتفاع التكاليف، ولا تباطؤ الاقتصاد، وإنما أن تنشغل بالبحث عن أسباب تعثرها خارجياً؛ فتلوم السوق والمنافسين والظروف، بينما المشكلة الحقيقية قد تكون في الداخل، في طريقة التفكير، وجودة الفريق، والقيادة، والحوكمة، وآلية القرار، وثقافة المؤسسة.
- ومن المهم أن ندرك أن أرقام الإفلاس لا تمثّل كامل المشهد، فهناك شركات تتوقف قبل أن تدخل الإجراءات، وأخرى ينسحب ملاكها، وأخرى تُباع بخسائر كبيرة، وأخرى تستمر نظامياً لكنها فقدت قدرتها على النمو. فالأرقام هي الجزء المرئي فقط، أما الأكبر فيبقى داخل الشركات حيث تتشكل القرارات التي تحدد مستقبلها.
- فالأسواق لا تُسقط الشركات فجأة وإنما تمنحها إشارات متكررة، والتي تلتقطها مبكراً تعيد بناء نفسها، أما التي تؤجل أو تكابر أو تظن أن نجاح الأمس ضمان للغد فتمنح الزمن فرصة ليحوّل المشكلات الصغيرة إلى أزمات كبيرة. فكل شركة أعلنت إفلاسها مرت بمئات الاجتماعات قبل أن تصل إلى المحكمة، وفي كل اجتماع كانت هناك فرصة لقرار مختلف؛ لكن القرار الذي يتأخر كثيراً قد يصبح بلا قيمة.
الخلاصة
الشركات لا تنهار يوم إعلان الإفلاس، وإنما يوم تتوقف عن التعلّم، ويوم تتراجع جودة الفريق وجودة التفكير، ويوم يصبح الحفاظ على الماضي أهم من الاستعداد للمستقبل. فالنتائج ليست سوى الأثر المتأخر للتفكير.
محمد بن صالح
مهتم بالإدارة والمالية