حين تنظر إلى الميزانية العمومية تجد النقد والمباني والمعدات والمخزون والاستثمارات وحقوق المساهمين، كلها أصول يمكن قياسها والإفصاح عنها. لكن هناك أصلاً لا يظهر في الميزانية، ولا يستطيع المحاسب إثباته، ولا يملك المراجع الخارجي معياراً لقياسه؛ ومع ذلك هو الذي يحدّد القيمة الاقتصادية لكل ما عداه.


قد تمتلك شركتان الأصول نفسها ورأس المال نفسه، والتقنيات نفسها، وتعملان في السوق نفسه؛ ومع ذلك تتضاعف القيمة السوقية لإحداهما بينما تكافح الأخرى للحفاظ على مكانتها. والفرق في الغالب لا يبدأ من حجم الموارد، وإنما من جودة القرارات التي تدير تلك الموارد.


إنه جودة التفكير التي تقود المؤسسة - الأصل الذي يحدّد القيمة الاقتصادية لكل الأصول الأخرى.

فالمصانع لا تخلق قيمة بمفردها والتقنيات لا تحقق ميزة تنافسية بمفردها، ورأس المال لا يصنع الثروة بمفرده؛ كلها موارد كامنة. أما القيمة فتبدأ حين تُستخدم هذه الموارد بطريقة أفضل من المنافسين.

كل قرار استراتيجي أو استثماري أو تشغيلي يمثل إعادة توزيع للموارد، قد يضيف إلى قيمة الشركة أو ينتقص منها، حتى وإن لم يظهر أثره في القوائم المالية إلا بعد سنوات. ولهذا فإن النتائج المالية ليست سوى انعكاس متأخر لسلسلة طويلة من القرارات التي سبقتها.

وتتضح الصورة أكثر من زاوية المستثمر فهو لا يشتري المباني ولا الآلات ولا الأرباح التاريخية، وإنما يشتري المستقبل؛ التدفقات النقدية المتوقعة، والقدرة على المحافظة على الميزة التنافسية، واحتمالية النمو والاستمرار في خلق القيمة.

ولهذا قد تتجاوز القيمة السوقية قيمتها الدفترية بأضعاف فالأسواق لا تسعّر ما تملكه الشركات اليوم، وإنما تسعّر قدرتها على خلق القيمة في المستقبل.


من الذي يحوّل الموارد إلى قيمة، والاستراتيجية إلى نتائج؟ ليست الأصول، وإنما البشر الذين يديرونها.

فجودة الإدارة ليست مجرد عنصر تنظيمي وإنما هي النظام الذي تتحول من خلاله الموارد إلى قرارات، والقرارات إلى قيمة، والقيمة إلى تدفقات نقدية، والتدفقات إلى قيمة سوقية. ولهذا فالإدارة ليست تكلفة تشغيلية كما تظهر في قائمة الدخل، وإنما أصل اقتصادي يولّد قيمة مستقبلية، وإن لم تسمح المعايير المحاسبية بإثباته.

ومن هنا تُفسّر الفجوة بين القيمة الدفترية والسوقية فالدفترية تقيس ما تملكه الشركة، أما السوقية فتقيس ما يتوقّع المستثمرون أن تستطيع تحقيقه؛ وبين الرقمين تقف جودة الإدارة، وجودة التفكير، وجودة القرارات.


الخلاصة

أغلى أصل في أي شركة قد لا يكون مصنعاً، ولا براءة اختراع، ولا رصيداً نقدياً، وإنما العقول التي تعرف كيف تحوّل كل ذلك إلى قيمة مستدامة. فالميزانية تخبرنا بما تملكه الشركة اليوم، أما المستقبل فيخبرنا به مستوى التفكير الذي يدير ما تملكه.

محمد بن صالح

مهتم بالإدارة والمالية