كل يوم نقرأ خبرا جديدا؛ الذكاء الاصطناعي سيستبدل الوظائف، والأسواق تتغير، والشركات تعيد هيكلتها، والمنافسة تزداد، وعالم الغد يبدو أقل يقينا من أي وقت مضى. ولهذا يعيش كثير من الناس في قلق دائم. لكن الأزمة الحقيقية التي نعيشها ليست في الأسواق ولا في الوظائف، وإنما في العقول التي تعيش أسيرة الخوف من غد لا تملكه.
ولهذا يعيش كثير من الناس في قلق دائم ليس لأنهم فقدوا وظائفهم، وإنما لأنهم يخشون أن يفقدوها؛ وليس لأن المستقبل انهار، وإنما لأنهم يحاولون السيطرة على مستقبل لا يمكن لأحد أن يسيطر عليه بالكامل.
وهنا أدركتُ شيئا مهما ليست أكبر نعمة أن تضمن مستقبلك، فلا أحد يستطيع ذلك، وإنما أن تمتلك حرية نفسية لا تجعل خوفك من المستقبل يسرق حياتك اليوم.
الحرية لا تبدأ حين تتغيّر الظروف، وإنما حين تتغيّر علاقتك بها.
يظن كثير من الناس أن الحرية تبدأ حين تتغيّر الظروف لكن الحقيقة أنها تبدأ حين تتغيّر علاقتك بالظروف. فقد يملك شخص كل شيء ويعيش أسيرا لخوفه من خسارته، وقد لا يملك آخر إلا القليل وينام مطمئنا لأنه لا يخاف فقدانه.
فكلما ارتبطت سعادتك برأي الآخرين فقدت جزءا من حريتك وكلما ارتبطت قيمتك بمنصب أو مال أو شهرة أصبحت حياتك رهينة لها. ولهذا كان أكثر الناس حرية هم الذين نقلوا مركز التحكّم من الخارج إلى الداخل؛ لا ينتظرون التصفيق ليشعورا بالنجاح، ولا يخشون النقد لأنهم يعرفون من هم، ولا يطاردون رضا الجميع لأنهم أدركوا أن ذلك مستحيل.
والحرية النفسية ليست غياب المسؤوليات ولا الانسحاب من الحياة، وإنما أن تعيش وفق مبادئك لا وفق مخاوفك، وأن تتخذ قراراتك لأنك تؤمن بها لا لأنك تخشى حكم الآخرين.
الحرية ليست أن تتحكّم فيما حولك، وإنما ألا تسمح له بأن يتحكّم فيك.
ولهذا فإن أعظم سجن قد يعيشه الإنسان ليس سجنا من حديد وإنما سجن بناه داخل عقله، ثم أقنع نفسه أنه لا يملك مفتاحه. فقد لا تستطيع التحكّم في الاقتصاد ولا الأسواق ولا الذكاء الاصطناعي، لكنك تستطيع أن تختار ألا يعيش عقلك أسيرا لها.
الخلاصة
الحرية ليست أن تمتلك مستقبلا مضمونا، وإنما أن تمتلك عقلا لا يهتز مع كل خبر جديد؛ فجودة التفكير تسبق جودة النتائج.
عقل لا يهتز مع كل خبر جديد
محمد بن صالح
مهتم بالإدارة والمالية