من أكثر الأخطاء شيوعا في الاستثمار أن نضع كل ما نخشاه في صندوق واحد ونسميه مخاطر. لكن ليست كل الأشياء التي لا نعرف نتيجتها مخاطر؛ فبعضها مخاطر وبعضها عدم يقين، والفرق بينهما قد يغيّر قرارك بالكامل.


فالمخاطر هي ما تستطيع تقديره أن تعرف مثلا أن المبيعات قد تنخفض بنسبة معينة، أو أن تكلفة المشروع قد ترتفع، أو أن سعر الفائدة قد يؤثر في التدفقات. أنت لا تعرف ماذا سيحدث، لكنك تعرف ما الذي يمكن أن يحدث، وتقدر احتماله وأثره.

وهنا يمكن للمستثمار أن يعمل فيضع سيناريو متحفظا، ويخفض سعر الدخول، ويطلب عائدا أعلى، ويحتفظ باحتياطي نقدي، وينوع استثماراته، أو يشترط ضمانات.

المخاطر لا تخيف المستثمر الجيد، إذا استطاع أن يفهمها ويسعّرها.

أما عدم اليقين فشيء آخر فهو أن تكون الأسئلة نفسها لم تحسم بعد: هل يوجد طلب حقيقي على المنتج؟ وهل نموذج العمل قابل للاستمرار؟ وهل تستطيع الإدارة التنفيذز؟ وهل الميزة التنافسية حقيقية؟ هنا لا تعرف فقط ماذا سيحدث، وإنما لا تعرف حق كل ما يمكن أن يحدث.

وهنا يقع خطأ آراء كثيرا تأخذ عدم اليقين ونضعه في ملف Excel، ونعطيه رقما، فنشعور أننا سيطرنا عليه؛ نكتب نموا ونسبة ربح واحتمال نجاح، ثم نبني التقييم عليها. لكن السؤال الأهم ليس هل الحساب صحيح، وإنما هل الافتراض الذي بُني عليه صحيح أصلا؟

وهذه المسافة بين الرقم والافتراض هي المكان الذي تصنع فيه كثير من القرارات الجيدة والسيئة. لذلك حين أنظر إلى فرصة أفضل المعلومات إلى ثلاثة؛ ما أعرفه فأنني عليه، وما أستطيع تقديره فأسفره، وما لا أعرفه بعد فلا أخدع نفسي بتحويله إلى رقم.

فأبحث عن المعلومة وأختبر الافتراض وأصغر حجم الاستثمار، وأدخل على مراحل، وأضع شروطا للخروج، أو أنظر حتى تتضح الصورة. فحين ترتفع المخاطر لا يعني ذلك أن ترفض الاستثمار، وإنما قد تحتاج سعرا أفضل أو عائدا أعلى؛ أما حين يرتفع عدم اليقين فحده لا يكفي، وإنما تحتاج التزاما أقل ومعلومات أكثر ومرونة أكبر.


ولهذا قد أفضل مشروعا مخاطره مرتفعة وواضحة على مشروع تبدو أرقامه جميلة لكن مساحة عدم اليقين فيه واسعة؛ فالأول أعرف ما الذي أراهن عليه، أما الثاني فقد أراهن على أشياء لم أرفع بعد أنني أجهلها.

ولهذا لا يبدأ القرار الجيد بسؤال كم سأربح؟ وإنما بأسئلة أهم؛ ما الذي أعرفه فعلا؟ وما الذي أرفه؟ وإذا كنت مخطئا كم ستكلفني معرفة ذلك؟ فهذه قد تكون أهم من عشرات الصفحات من التوقعات المالية.

المستثمر الجيد لا يحتاج إلى معرفة المستقبل، وإنما إلى معرفة حدود معرفته به.

المخاطر . تُقاس وتُسعر تعرف ما يمكن أن يحدث، فتضبط سعر الدخول والعائد والاحتياطي والتنويع. وارتفاعها لا يعني الرفض، وإنما سعرا أفضل أو عائدا أعلى.

عدم اليقين . يُدار لا تعرف حق كل ما قد يحدث، فلا يكفي العائد الأعلى؛ وإنما التزام أقل، ومعلومات أكثر، ومُرونة أكبر، ودخول على مراحل.

فالمخاطر جزء طبيعي من الاستثمار، وعدم اليقين جزء طبيعي من الحياة؛ والحكمة ليست في التخلص منهما فهذا مستحيل، وإنما أن تعرف أيهما أمامك ثم تتعامل معه بالطريقة الصحيحة.

وجودة التفكير تسبق جودة النتائج.

هذا ما نناقشه في ورش عمل أكاديمية ابتكار القيمة، يمكنك الاطلاع على البرامج من هنا


محمد بن صالح مهتم بالإدارة والمالية