تخرج من الاجتماع مقتنعاً أن كل عناصر النجاح موجودة؛ المصلحة مشتركة، والفرصة جيدة، والأطراف متحمسة، ثم لا يحدث شيء. وبعد أشهر يحاول أحدهم إحياء الفكرة فيكتشف أن الحماس الذي ملأ الغرفة صار أصعب في استعادته؛ إنها تكلفة فقدان الزخم — Momentum Loss Cost.

وهي التكلفة التي تنشأ حين تفقد العلاقة طاقتها النفسية التي كانت تدفع الأطراف إلى التحرك، فيصبح الوصول إلى النتيجة نفسياً بحاجة إلى جهد أكبر، ووقت أطول، وربما حوافز ألمس. ولفهم ذلك ننظر إلى العلاقات التجارية بطريقة مختلفة.


الانتباه يسبق الاستثمار

فقبل أن يستثمر الإنسان ماله في مشروع، يستثمر فيه انتباهه؛ يفكر في الفكرة، ويتخيل إمكاناتها، ويخصص لها وقتاً، ويناقشها مع فريقه، ويدخلها تدريجياً ضمن أولوياته. ومع كل خطوة إيجابية يزداد هذا الاستثمار؛ فاجتماع جيد يقود إلى آخر، واتصال سريع يقود إلى قرار، وقرار يقود إلى خطوة تنفيذية. وهكذا يتكوّن الزخم.

والزخم ليس حماساً عابراً، وإنما حالة يصبح فيها الانتقال أسهل لأن العقل يرى تحرّكاً مستمراً نحو النتيجة. لكن الانتباه مورد محدود؛ فحين تتوقف الحركة يعيد العقل تخصيصه، إذ تدخل فرصة أخرى، وتظهر علاقة جديدة، وتنتقل الطاقة إلى ما يعطي إشارات أكبر على إمكانية التحقق. وهنا يصبح الزمن جزءاً من اقتصاد العلاقة.

(قبل أن يستثمر الإنسان ماله في مشروع، يستثمر فيه انتباهه)


ماذا يحدث عندما نتأخر؟

يقدم علم السلوك عدة تفسيرات؛ أحدها Temporal Discounting، فكلما ابتعدت النتيجة زمنياً انخفض وزنها النفسي في الحاضر. والآخر Goal Disengagement، حيث يقلل الإنسان ارتباطه بهدف حين تتراجع إشارات التقدم نحوه. وهناك عامل ثالث أكثر حساسية؛ فالتأخير نفسه يحمل رسالة.

فحين يتأخر الطرف الآخر باستمرار لا يقرأ العقل التأخير زمناً فقط، وإنما يبدأ في تفسيره: هل ما زالت الفرصة أولوية لديه؟ وهل هو جاد؟ وهل يستطيع اتخاذ القرار؟ وهل سأجد الإيقاع نفسه عند التنفيذ؟ وهكذا يتحول التأخير من مسألة وقت إلى مسألة ثقة وتوقعات.


الذكاء الاجتماعي يحمي الزخم

فبعض رجال الأعمال بارع في اكتشاف الفرص، أقل براءة في حفظ طاقتها. والبعض يفهم أن للعلاقات إيقاعاً؛ يعرف متى يتصل، ومتى يحسم، ومتى يحتاج الطرف الآخر إلى مساحة، ومتى صارت المساحة بروداً، ومتى يحتاج المشروع إلى خطوة صغيرة تحفظ حركته بدل انتظار خطوة كبيرة قد تأتي متأخرة.

وهذه القدرة تقع بين الذكاء الاجتماعي والذكاء العاطفي؛ فالأول يساعدك على قراءة الطرف الآخر وسياق العلاقة، والثاني على فهم الحماس والتردد والقلق والتوقعات التي تتحرك خلف الكلمات.

(القائد الجيد لا يدير الصفقة فقط، وإنما يدير درجة حرارة العلاقة)


للانتظار تكلفة

فالتأني جزء من جودة القرار، لكنه يصبح مكلفاً حين يتجاوز حده إذ يستهلك الطاقة التي يحتاجها القرار لكي ينفذ. وهنا يصبح السؤال الإداري مختلفاً؛ فبدل أن نسأل: هل نحتاج مزيداً من الوقت قبل أن نقرر؟ نسأل أيضاً: ما تكلفة فقدان الزخم خلال هذا الوقت؟

فبعض الفرص يمكن إعادة دراستها، وبعض الأموال يمكن إعادة جمعها، أما الحماس بين شخصين في لحظة معينة فهو أصل أكثر حساسية للزمن. ولهذا لا يعتمد بناء العلاقات على معرفة من تعرف فقط، وإنما على معرفة متى تتحرك وكيف تحافظ على الحركة.

وربما لهذا، كلما تقدمت في عالم الأعمال، اكتشفت أن بعض أهم الصفقات لم يصنعها التحليل وحده، وإنما صنعها من عرفوا كيف يحمون الزخم؛ فالفرص تحتاج إلى اقتصاد جيد، والعلاقات تحتاج إلى إيقاع جيد.

وجودة التفكير تسبق جودة النتائج.


الفرص تحتاج اقتصاداً جيداً، والعلاقات تحتاج إيقاعاً جيدا


محمد بن صالح

مهتم بالإدارة والمالية


اقرأ أيضاً من مقالات المستشار

التحفيز المبالغ فيه... نوع من رسائل الإحباط