من الطبيعي أن ينشغل صاحب الشركة في أوقات الأزمات بالسيولة والرواتب والإيجارات والالتزامـات اليومية؛ فهذه ضغوطٌ حقيقية لا يمكن تجاهلها. لكن المشكلة لا تبدأ عندما تقلّ السيولة، وإنما عندما تبدأ السيولة في قيادة طريقة التفكير.
عندها تتحوّل الأولويات من بناء المستقبل إلى مجرّد النجاة من اليوم، ويصبح كل قرارٍ يُقاس بقدرته على تأجيل الأزمة أياماً أو أسابيع، لا بقدرته على تغيير مستقبل الشركة.
وهنا تظهر أهمية جودة التفكير فجودة التفكير لا تستجيب لكل ما هو عاجل، وإنما تميّز بين ما يخفّف الألم مؤقتًا وما يعالج سببه من الأساس.
كثيرٌ من الشركات لا تنهار لأنها دفعت الرواتب أو سدّدت الإيجارات وإنما لأنها ظلّت تدفعها شهرًا بعد شهر دون أن تتّخذ القرارات التي تغيّر مسارها؛ تؤجّل إعادة الهيكلة، وتؤجّل الحوكمة، وتؤجّل تطوير نموذج العمل، وتؤجّل البحث عن المستثمر المناسب، وتؤجّل كل قرارٍ استراتيجي بحجّة أن الوقت غير مناسب.
إذا لم يكن الوقت مناسبًا لاتخاذ القرارات التي تُنقذ الشركة وهي في أزمة، فمتى سيكون مناسبًا؟
كل يومٍ يمرّ دون معالجة الأسباب الجذرية يجعل الأزمة أكبر، والخيارات أقل، وتكلفة الإصلاح أعلى. ولهذا فإن جودة التفكير لا تعني تجاهل الواقع، وإنما ألّا تسمح لضغوط الواقع بأن تُعيد ترتيب أولوياتك بطريقةٍ تقودك إلى النتيجة التي تحاول الهروب منها.
هناك فرقٌ كبير بين إدارة البقاء وصناعة المستقبل فإدارة البقاء تحافظ على الشركة من السقوط اليوم، أما صناعة المستقبل فتبني شركةً لا تحتاج أن تخوض معركة البقاء نفسها كل شهر. ولهذا فإن أخطر أثرٍ للأزمة ليس نقص السيولة، وإنما انخفاض جودة التفكير تحت ضغطها.
تذكّر دائماً جودة التفكير لا تستجيب لكل ما هو عاجل، وإنما تُعطي الأولوية لما يصنع أكبر أثر.
فكلما ارتفعت جودة التفكير، انتقلت الأولويات من إطفاء الحرائق إلى بناء المستقبل؛ أما حين يقود الواقع طريقة تفكيرك، فقد تنجح في شراء الوقت، لكنك تخسر المستقبل.
جودة التفكير تسبق جودة النتائج .
محمد بن صالح
مهتم بالإدارة والمالية