هناك سؤال يستحق أن نتوقف عنده طويلاً؛ لماذا يميل الناس إلى تقدير من ينقذهم بعد وقوع الخسارة أكثر من تقدير من حذّرهم منها قبل أن تقع؟ ولماذا يبدو المنقذ بطلاً، بينما يبدو المنذر متشائماً؟


هذه ليست مفارقة اجتماعية فحسب وإنما تكشف شيئاً أعمق في طبيعة العقل البشري. فنحن لا نقيس القيمة بما لم يحدث، وإنما بما رأيناه وتأثرنا به واستطعنا أن نروي قصته.

فالخسارة حين تقع تصبح حقيقة يلمسها الجميع والدموع التي تتركها تصبح دليلاً على حجمها؛ ثم يأتي من ينتشلنا منها فتكتمل القصة ويولد البطل. أما الذي وقف قبل سنوات وقال إن الطريق ينتهي إلى هاوية، فلم يصنع قصة يرويها أحد؛ وإذا استمع الناس إليه وتجنّبوا الهاوية، اختفت القصة كلها، واختفى معها الدليل الوحيد على قيمة ما فعل.


كلما نجحت الوقاية قلّ تقديرها، لأن نجاحها الحقيقي أن تجعل الكارثة لا تحدث.

نحن نحتفي بالعلاج لأنه يترك أثراً مرئياً ونغفل الوقاية لأنها تمحو الأثر قبل أن يولد. ولهذا يعيش كثير من أصحاب الرؤية في عزلة فكرية.

فمن يمنع الأزمة لا يملك صوراً يعرضها والمراجع الداخلي الذي أغلق باب فساد قبل أن يُفتح لا يستطيع أن يثبت حجم ما أنقذه، والمستشار الذي أقنع شركة بتغيير مسارها قبل الانهيار لن يجد تصفيقاً يوازي تصفيق من أعاد بناءها بعد سقوطها. ليس لأن أثرهم أقل، وإنما لأن أثرهم اختفى مع نجاحهم.

ولعل هذه من أكبر المفارقات في صناعة القيمة فكلما ارتفع مستوى التفكير أصبح أثره أقل ظهوراً. ليس لأنه أقل أهمية، وإنما لأنه يعمل في الزمن الذي يسبق الأحداث؛ إنه يغيّر المستقبل قبل أن يتحوّل إلى حاضر.


أعظم القرارات ليست تلك التي أصلحت أخطاءك، وإنما تلك التي منعتك من ارتكابها.

وأعظم القادة ليسوا دائماً من يُخرجون مؤسساتهم من الأزمات وإنما من يبنونها بطريقة تجعل الأزمات أقل احتمالاً. وأعظم الثروات ليست ما كسبته، وإنما ما لم تخسره بسبب قرار صحيح اتخذته في وقته.

ربما لهذا يخطئ كثير من الناس في تقدير القيمة فهم يبحثون عنها في الضجيج بينما أعظم قيمة تُصنع في صمت، ويبحثون عنها بعد وقوع الأحداث بينما أكثرها تأثيراً يُصنع قبل أن تبدأ الأحداث أصلاً. وربما لهذا يستحق سؤال واحد أن يبقى مفتوحاً: كيف نقيس قيمة شيء كان أعظم إنجاز له أنه جعل الكارثة لا تحدث من الأساس؟


الخلاصة

كلما ارتفعت جودة التفكير، أصبح أثره أقل وضوحاً للآخرين؛ لأن مهمته ليست إصلاح المستقبل، وإنما إعادة كتابته قبل أن يحدث.

أعظم القيمة تُصنع في صمت - محمد بن صالح - مهتم بالإدارة والمالية